في السنوات الأخيرة، لم تعد البرمجة تُختزل في كونها عملية تقنية جامدة تعتمد فقط على القواعد والخطوات الثابتة، بل اتسع الحديث ليشمل الجانب الإنساني والنفسي للمبرمج أثناء العمل. من هنا ظهر مصطلح Vibe Coding، كمحاولة لوصف أسلوب برمجي يعتمد على الانسيابية الذهنية والحالة المزاجية للمطور أثناء كتابة الكود.
فما هو مصطلح Vibe Coding وكيف يؤثر على كتابة الكود؟ هذا ما نعرفه في السطور التالية.
رغم أن المصطلح يبدو غير تقليدي، إلا أنه يعكس واقعًا عمليًا يعيشه كثير من المبرمجين، خاصة عند العمل على الأفكار الجديدة والمشاريع الإبداعية، حيث يصبح التفاعل المباشر مع الكود جزءًا من عملية التفكير نفسها، لا مجرد تنفيذ لخطة مسبقة.
ما هو Vibe Coding؟
Vibe Coding هو مصطلح حديث نسبيًا في عالم البرمجة، يُستخدم لوصف أسلوب عمل يعتمد على الحالة الذهنية والتركيز والانسياب الفكري للمبرمج أثناء كتابة الكود، بدل الالتزام الصارم بتخطيط تفصيلي منذ اللحظة الأولى. في هذا الأسلوب، يبدأ المبرمج العمل وهو يمتلك تصورًا عامًا للحل، ثم يترك التجربة والتفاعل مع الكود يقودانه خطوة بخطوة حتى تتضح الصورة النهائية.
هذا لا يعني غياب التفكير أو تجاهل المنهجية، بل يعني أن التفكير يحدث بالتوازي مع التنفيذ، وليس قبله فقط.
الخلفية الحقيقية للمصطلح:
رغم أن مصطلح Vibe Coding انتشر مؤخرًا، إلا أن الممارسة نفسها ليست جديدة. كثير من المبرمجين، خاصة عند العمل على مشاريع شخصية أو نماذج أولية، كانوا يعتمدون هذا الأسلوب دون أن يطلقوا عليه اسمًا محددًا. الجديد هنا هو الاعتراف بهذا النمط وتسميته، لا اختراعه.
ساهم في انتشار المصطلح التحول نحو ثقافة العمل المرن، والاعتماد على التجربة السريعة، وتقليل زمن الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ، خصوصًا في عالم الشركات الناشئة والمشاريع الرقمية سريعة التغير.
بدأ تداول مصطلح Vibe Coding داخل المجتمعات البرمجية غير الرسمية، ثم انتقل تدريجيًا إلى مساحات أوسع على الإنترنت. يظهر المصطلح بوضوح في نقاشات المطورين على منصات مثل GitHub، حيث يستخدمه البعض لوصف أسلوبهم أثناء بناء المشاريع الشخصية أو النماذج الأولية السريعة.
كما ينتشر في منشورات المطورين على منصة X، خاصة عند الحديث عن الإنتاجية أو مشاركة تجارب جلسات البرمجة المكثفة. كذلك يظهر في منتديات مثل Reddit، وخصوصًا في مجتمعات مثل r/programming وr/webdev، حيث تتم مناقشة الفروق بين التخطيط التقليدي والعمل الانسيابي.
حتى على منصات الفيديو مثل YouTube وTwitch، يستخدمه بعض صناع المحتوى أثناء البث المباشر للبرمجة، لوصف اللحظات التي يسير فيها الكود بسلاسة دون توقف طويل للتحليل النظري أو إعادة التخطيط.
هذا الانتشار لا يعكس مجرد موضة لغوية، بل يكشف عن حاجة حقيقية لتوصيف أسلوب عمل موجود بالفعل منذ سنوات.
كيف يعمل Vibe Coding عمليًا؟
في Vibe Coding، يبدأ المبرمج بكتابة كود مباشر لحل المشكلة، ثم يختبر النتيجة، ويعدل، ويعيد المحاولة. لا يوجد سعي للكمال من أول مرة، بل تركيز على جعل الفكرة تعمل أولًا، ثم العودة لاحقًا لتحسين البنية وتنظيم التفاصيل.
غالبًا ما يكون هذا الأسلوب مصحوبًا بحالة تركيز عالية وشعور بالانسجام مع العمل، حيث يشعر المبرمج أن الكود يتحرك معه لا ضده، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على سرعة الإنجاز.
مثال توضيحي للفكرة
لنفترض أن مطور يريد إنشاء تطبيق بسيط لإدارة المهام. في الأسلوب التقليدي، قد يبدأ بتصميم قاعدة البيانات، وتحديد هيكل المشروع، ورسم تدفق المستخدم قبل كتابة أي كود فعلي.
أما في Vibe Coding، فقد يبدأ مباشرة بواجهة بسيطة، يضيف زرًا لإضافة مهمة، ثم يخزن البيانات مؤقتًا، ويرى الفكرة تعمل أمامه. بعد التأكد من جدوى التطبيق، يعود لاحقًا لإعادة تنظيم الكود، وتحسين التصميم، وبناء هيكل أكثر استقرارًا.
النتيجة النهائية قد تكون متشابهة، لكن طريقة الوصول إليها مختلفة تمامًا.
إيجابيات Vibe Coding
يساعد هذا الأسلوب على تقليل الضغط النفسي، ويشجع على البدء الفعلي بدل الوقوع في فخ المثالية الزائدة. كما يسرع عملية بناء النماذج الأولية، ويمنح مساحة أكبر للتجربة والإبداع، وهو أمر مهم خاصة في التعلم الذاتي والمشاريع الشخصية.
كذلك يجعل البرمجة تجربة أكثر متعة، وهو عامل لا يمكن تجاهله في الحفاظ على الاستمرارية والحافز.
سلبيات Vibe Coding
في المقابل، الاعتماد المفرط على هذا الأسلوب قد يؤدي إلى كود غير منظم، وصعوبة في الصيانة أو الفهم لاحقًا، خاصة عند العمل ضمن فريق. كما أن غياب التخطيط المسبق قد يؤدي إلى إعادة كتابة أجزاء كبيرة من المشروع.
تزداد هذه السلبيات وضوحًا عندما يستخدمه المبتدئون دون امتلاك أساس قوي، حيث يختلط الانسياب بالعشوائية، وتتحول المرونة إلى فوضى تقنية.
العلاقة بين Vibe Coding وخبرة المبرمج:
Vibe Coding أسلوب يعتمد بشكل كبير على الخبرة. فالمبرمج الخبير قد لا يكتب مخططًا تفصيليًا، لكنه يمتلك هذا المخطط ذهنيًا، ويعرف متى يتوقف لإعادة التنظيم.
أما المبتدئ، فغالبًا يحتاج إلى الالتزام بالمنهجيات التقليدية لفترة، قبل أن يكون قادرًا على استخدام هذا الأسلوب بوعي وأمان.
Vibe Coding وعلاقته بالذكاء الاصطناعي:
مع الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي في البرمجة، اكتسب مفهوم Vibe Coding بعدًا جديدًا. أدوات مثل مساعدات كتابة الكود، واقتراح الحلول البرمجية، وتصحيح الأخطاء تلقائيًا، جعلت عملية البرمجة أكثر انسيابية، وهو ما يتماشى بطبيعته مع فلسفة Vibe Coding.
في هذا السياق، لا يعمل المبرمج وحده، بل يدخل في تفاعل مستمر مع الذكاء الاصطناعي، حيث يطرح الفكرة، يحصل على اقتراحات سريعة، ثم يختار ويعدّل ويعيد التوجيه. هذا الأسلوب يقلل الوقت بين الفكرة والتنفيذ، ويشجع على التجربة السريعة دون الخوف من الأخطاء، لأن التصحيح أصبح جزءًا من التدفق الطبيعي للعمل.
لكن في المقابل، يبرز تحدٍ مهم، وهو أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يعزز الجانب العشوائي إذا لم يكن المبرمج واعيًا بالأساسيات. فـ Vibe Coding المدعوم بالذكاء الاصطناعي يكون فعالًا فقط عندما يقوده عقل يفهم ما يحدث خلف الكود، لا مجرد قبول اقتراحات جاهزة دون تحليل.
يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي لم يصنع Vibe Coding، لكنه منحه بيئة مثالية للانتشار، حيث أصبح الانسياب الذهني مدعومًا بأدوات ذكية تساعد على التنفيذ السريع، بشرط أن يظل القرار النهائي بيد المبرمج.
وأخيرا: Vibe Coding ليس دعوة للتخلي عن التفكير المنهجي، ولا تبريرًا للكود العشوائي، بل هو توصيف واقعي لأسلوب عمل شائع بين المبرمجين في المراحل الإبداعية الأولى من أي مشروع. استخدامه بوعي يمكن أن يكون أداة قوية للإنتاج السريع والتجربة، لكنه يفقد قيمته عند تجاهل حدوده.
في النهاية، البرمجة ليست مجرد كتابة أوامر للحاسوب، بل عملية فكرية وإنسانية تتأثر بالحالة الذهنية والتركيز والشغف. وVibe Coding، عندما يُستخدم في مكانه الصحيح، يذكّرنا بهذه الحقيقة ببساطة وصدق.
مدونة نافذة التقنية مدونة نافذة التقنية – موقع يقدّم شروحات تقنية حديثة حول Windows، Android، الذكاء الاصطناعي، وأدوات المطورين بطريقة سهلة وواضحة للمستخدم العربي.